محمد بن المنور الميهني

130

أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد

الجلوس فيه . وعندما قلت له : ما هذا أيها الشيخ ، لماذا لم تجلس في مكانك . قال لي : أنا في مكاني ، فقلت مرة أخرى : لماذا لم تجلس في مكانك أيها الشيخ ، لعله خير ؟ فقال الشيخ : ليس لي مكان ، لا تحت ولا فوق ، ولا عن يمين أو شمال ، ولا في أي جهة من الجهات ، ولكننا نتخذ مكانا لتقضي حوائج الخلق بنا وتنصلح أمورهم بسببنا . فاستيقظت من نومي مشغولا بذلك . وفي الفجر كنت في مجلس الشيخ ، وعندما خرج من صومعته وجلس على المنبر كعادته ، أطرق لحظة ، ثم رفع رأسه وقال : تعال يا عبد الصمد وقص الرؤيا التي رأيتنا فيها بالأمس . فعجبت لأننى لم أكن قد ذكرت هذه الرؤيا لأحد . وأدنيت فمي من أذن الشيخ وأخذت أقصها ، وأنا أحاول ألا يسمعني أحد . ولم أكد أبدأ حتى صاح الشيخ : ارفع صوتك ليسمع الناس أننا نجلس هنا من أجلهم وإلا لما كان لنا مكان . وظهرت على الجميع أحوال . والآن ورد هذان البيتان على لسانك بعد وفاته ( ص 116 ) حكاية [ ( 39 ) ] : قال حسن بن المؤدب : وقفت يوما بين يدي الشيخ في نيسابور ، بعد أن فرغ من المجلس وتفرق الناس ، وكانت قد تجمعت على قروض كثيرة ، فكنت لذلك مهموما ؛ إذ كانوا يطالبونني بها ، ولم يكن هناك معلوم . وكان يلزم لي أن يتكلم الشيخ في هذا الأمر ، ولكنه لم يفعل . وأشار الشيخ إلي قائلا : انظر خلفك ، فلما نظرت رأيت سيدة عجوزا تدخل من باب الخانقاه . وتقدمت إليها ، فأعطتنى صرة من الذهب وقالت لي : احمل هذه المائة دينار إلى الشيخ ، واطلب إليه أن يذكرنا بدعائه . فأخذتها مسرورا ، وقلت لنفسي الآن أو في الدين . وحملتها ووضعتها أمام الشيخ ، فقال لي : لا تضعها هنا ، بل احملها واذهب بها